أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
119
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ سورة هود ( 11 ) : آية 81 ] قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ( 81 ) قوله : فَأَسْرِ . قرأ نافع وابن كثير : « فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ » هنا وفي الحجر ، وفي الدخان « فَأَسْرِ بِعِبادِي » ، وفي : « أَنْ أَسْرِ * في طه والشعراء » جميع ذلك بهمزة الوصل تسقط درجا وتثبت مكسورة ابتداء ، والباقون « فَأَسْرِ » بهمزة القطع تثبت مفتوحة درجا وابتداء . والقراءتان مأخوذتان من لغتي هذا الفعل ، فإنه يقال : سرى ومنه : وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ وأسرى منه سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ ، وهل هما بمعنى واحد ، أو بينهما فرق خلاف مشهور ؟ فقيل : هما بمعنى واحد ، وهو قول أبي عبيد ، وقيل : بل أسرى لأول الليل ، وسرى لآخره ، وهو قول الليث ، وأما سار فمختص بالنهار ، وليس مقلوبا من سرى . قوله : بِأَهْلِكَ يجوز أن تكون الباء للتعدية ، وأن تكون للحال ، أي : مصاحبا لهم . وقوله : بِقِطْعٍ حال من « أهلك » أي : مصاحبين لقطع على أن المراد به « الظلمة » . وقيل « الباء » بمعنى : « في » والقطع - هنا - : نصف اللّيل ، لأنه قطعة منه مساوية لباقيه وأنشدوا : 2717 - ونائحة تنوح بقطع ليل * على رجل بقارعة الصّعيد « 1 » وقد تقدم الكلام على القطع في يونس بأشبع من هذا . قوله : إِلَّا امْرَأَتَكَ ابن كثير وأبو عمرو برفع « امرأتك » والباقون بنصبها . وفي هذه الآية الكريمة كلام كثير ، لا بد من استيفائه . أما قراءة الرفع ففيها وجهان : أشهرهما - عند المعربين - : أنه على البدل من أحد ، وهو أحسن من النصب ، لأن الكلام غير موجب ، وهذا الوجه قد رده أبو عبيد بأنه يلزم منه أنهم نهوا عن الالتفات إلّا « المرأة » فإنها لم تنه عنه ، وهذا لا يجوز ولو كان الكلام « وَلا يَلْتَفِتْ » برفع « يلتفت » يعني على أن تكون « لا » نافية فيكون الكلام خبرا عنهم بأنهم لم يلتفتوا إلا امرأته فإنها تلتفت لكان الاستثناء بالبدلية واضحا ، لكنه لم يقرأ برفع « يَلْتَفِتْ » أحد . وقد استحسن ابن عطية هذا الإلزام من أبي عبيد . وقال : إنه وارد على القول باستثناء المرأة من « أَحَدٌ » سواء رفعت المرأة أو نصبتها . قلت : هذا صحيح فإنّ أبا عبيد لم يرد الرفع بخصوص كونه رفعا ، بل لفساد المعنى وفساد المعنى دائر مع الاستثناء من « أَحَدٌ » وأبو عبيد يخرج النصب على الاستثناء من « بِأَهْلِكَ » ، ولكنه يلزم من ذلك إبطال قراءة الرفع ، ولا سبيل إلى ذلك لتواترها ، وقد انفصل المبرد عن هذا الإشكال الذي أورده أبو عبيد بأن النهي في اللفظ ل « أَحَدٌ » وهو في المعنى ل « لوط » - عليه السّلام - إذ التقدير : لا تدع منهم أحدا يلتفت كقولك لخادمك : لا يقم أحد ، النهي ل « أَحَدٌ » وهو في المعنى للخادم ، إذ المعنى : لا تدع أحدا يقوم . قلت : فآل الجواب إلى المعنى لا تدع أحدا يلتفت إلا امرأتك فدعها تلتفت . هذا مقتضى الاستثناء كقولك : « لا تدع أحدا يقوم إلّا زيدا » معناه : فدعه يقوم . وفيه نظر ، إذ المحذور الذي فر منه أبو عبيد موجود هنا أو قريب منه هنا . والثاني : أن الرفع على الاستثناء المنقطع ، والقائل بهذا جعل قراءة النصب أيضا من الاستثناء المنقطع . فالقراءتان عنده على حد سواء ، ولنسرد كلامه لتعرفه . فقال : الذي يظهر أنّ الاستثناء على كلتا القراءتين منقطع ، لم
--> ( 1 ) البيت لمالك بن كنابة أنظر البحر المحيط ( 5 / 248 ) ، القرطبي ( 9 / 80 ) ، روح المعاني ( 12 / 109 ) .